محمد جمال الدين القاسمي

470

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وللمعتزلة تحيل في المدافعة بحمل المشيئة المنفية ، على مشيئة القسر والاضطرار . وإنما يتم لهم ذلك أن لو كان القرآن يتبع الآراء . وأما وهو القدوة والمتبوع ، فما خالفه حينئذ وتزحزح عنه ، فإلى النار ، وما بعد الحق إلا الضلال . ثم سلّى تعالى نبيه عما كان يقاسيه من قومه ، بتأسيه بمن سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أي : مثل ذلك الجعل الذي جعلناه في حقك ، حيث جعلنا لك عدوّا يضادونك ولا يؤمنون ، جعلنا لكل نبيّ تقدمك عدوّا من مردة الإنس والجن ، فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك ، كما قال تعالى : ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ [ فصلت : 43 ] . وقال ورقة بن نوفل للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي . يُوحِي أي : يلقي ويوسوس بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ أي : المموه منه ، المزين ظاهره ، الباطل باطنه ، غُرُوراً أي : للضعفاء ، لأن اللّه تعالى جعلهم أهل الحجاب ، وكذا الغارّين ، ليقهرهم بمقتضى استعدادهم . وفي الآية دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بفعل اللّه سبحانه وتعالى ، وخلقه . قال المهايمي : لتظهر الحجج بمجادلتهم ، وترتفع شبهاتهم ، ولئلا يقال إنه شخص ساعده الكلّ ليأكلوا أموال الناس ، أو يتواسوا عليهم . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أي : ما فعلوا ذلك ، يعني : معاداة الأنبياء ، وإيحاء الزخارف . وهو أيضا دليل على المعتزلة . فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ أي : من الكفر ، فسوف يعلمون . ثم عطف على قوله غُرُوراً علة ثانية للإيحاء بقوله تعالى :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الوحي ، 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف . روته سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها .